الشيخ فاضل اللنكراني
59
دراسات في الأصول ( دار التفسير )
العلم بمعلومات مختلفة لا يوجب تغيير ماهيّة العلم ، فإن كان الحكم هي الإرادة المتعلّقة بالبعث أو الزجر لا يصدق عليه تعريف التضاد أصلا ، مع أنّ الوجوب والاستحباب كلاهما عبارتان عن الإرادة المظهرة المتعلّقة بالبعث ، والفرق بينهما بقوّة الإرادة وضعفها ، ومن المسلّم أنّ الاختلاف بالشدّة والضعف لا يمكن أن يرجع إلى الاختلاف في الماهيّة . الاحتمال الثاني : أنّ الحكم هو البعث الاعتباري الذي يتحقّق بواسطة هيئة « افعل » ، والزجر الاعتباري الذي يتحقّق بواسطة هيئة « لا تفعل » كما هو المختار ، وعلى هذا الاحتمال أيضا لا ينطبق تعريف التضاد عليهما بأدلّة متعدّدة : الأوّل : أنّه قد مرّ في المباحث السابقة أنّ الموضوع في قضية حمليّة إن كان هذا الجسم الموجود في الخارج والمحمول هو الأسود والأبيض معا تكون القضيّة كاذبة ؛ لتحقّق التضاد بينهما في هذه المرحلة ، وإن كان الموضوع فيها ماهيّة الجسم والمحمول هو الأسود والأبيض معا تكون القضية صادقة ؛ إذ لا يكون في هذه المرحلة من التضاد بل التناقض أثر ولا خبر ، فلذا يصحّ القول بأنّ ماهيّة الإنسان موجودة ومعدومة معا ، والموجود بلحاظ أفراده الموجودة في الخارج ، والمعدوم بلحاظ أفراده الممكن التحقّق والمعدومة فيه . وقد مرّ أيضا أنّ البعث أو الزجر لا يمكن أن يتعلّق بغير الماهيّة ؛ إذ لا يعقل تعلّقه بهذا الموجود ، فإنّ معناه تحقّق الصلاة في الخارج أوّلا ثمّ تعلّق البعث بها وهكذا في الزجر ، فتكون ماهيّة الصلاة مبعوث إليها وماهيّة الغصب مزجور عنها ، ولا يتحقّق التضاد في هذه المرحلة . إن قلت : إن لم يتحقّق التضاد والتناقض في مرحلة الماهيّات فلا مانع من وقوع ماهيّة واحدة متعلّقا للبعث والزجر معا ، كقولنا : صلّ ولا تصلّ . قلت : لا شكّ في استحالة تعلّق البعث والزجر معا بماهيّة واحدة ، مثل : صلّ ولا تصلّ ، ولكن علّتها لا تكون عبارة عن التضاد ، بل تكون علّتها عدم مقدورية